القاضي التنوخي

103

الفرج بعد الشدة

وقال له : نجزّ هذا ، واختر من الضّياع ما ترى ، وانصب لها ديوانا ، ووصله ، وجعل له منزلة كبيرة ، بكتابة الولد . فلمّا فرغ من ذلك ، وقام به ، جرى أمر آخر ، أوجب أن ردّ إليه أيضا أمر سائر الحرم ، وجعل له قبض جراياتهنّ ، وأرزاقهنّ ، وإنفاق ذلك عليهنّ ، وصرف وكلاءهنّ ، وأسبابهنّ عنهنّ ، وزادت منزلته بذلك لكثرة الحرم « 10 » . فبينما سلمة يتردّد في دار المتوكّل ، إلى مقاصير الولد والحرم ، وقعت عين المتوكّل عليه ، فاستدعاه . وقال له : يا سلمة ، ما أكثر ما يذهب على الملوك ، حفظت بك ولدي ، وحرمي ، وأضعت نفسي ، وليس لي منك عوض ، قد رددت إليك بيت المال ، وخزائن الفرش ، والكسوة ، والطيب ، وسائر أمر الدار ، فتسلّم ذلك ، واستخلف عليه من تثق به . وكان قد أنكر عليه ، في بعض خدمته ، شيئا [ 177 ظ ] فأمر باعتقاله ، ففرشت له حجرة ، وترك خلفاؤه يعملون . ثمّ ذكره في اللّيل ، وهو يشرب ، فقال لخادم : امض إلى الحجرة الّتي فيها سلمة ، فاطّلع عليه ، وعرفني الصورة الّتي تجده عليها . فعاد وذكر أنّه وجده يسوّد « 11 » ، ثمّ أعاده بعد وقت آخر ، فوجده على ذلك ، وأعاده الثالثة ، فكانت الصورة واحدة . فاستحضره ، وقال : أنت شيخ كبير ، تسوّد ليجود خطّك في الآخرة ، أو لتصل به في الدنيا إلى أكثر ممّا وصلت إليه ؟ . قال : لا هذا ولا هذا ، ولكنّك لما اعتقلتني [ 149 ر ] ، وأقررت أصحابي ،

--> - الممخرق بأنّه بهلوان أو حنقباز . ( 10 ) الحرم : أنظر البحث في آخر القصّة . ( 11 ) يسوّد : يكتب بالحبر على الورق مسودات ، والذي يكتب لتمرين يده على تجويد الخط ، يقال عنه : يسوّد .